صديق الحسيني القنوجي البخاري
526
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال بعض أهل اللغة أن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق من التراب فهو ذرة ، وقيل الذر ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، والأول أولى . و « من » الأولى عبارة عن السعداء ، ومن الثانية عبارة عن الأشقياء ، وقال محمد بن كعب فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر فيرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند اللّه خير ، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند اللّه شر ، والأول أولى . قال مقاتل نزلت في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة ويقول إنما أوعد اللّه النار على الكفارين . قال ابن مسعود : هذه الآية أحكم آية في القرآن وأصدق ، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية . قال كعب الأحبار لقد أنزل على محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف فَمَنْ يَعْمَلْ الخ . وروى محيي السنة : عن ابن عباس ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا كان أو شرا إلا أراه اللّه تعالى : فأما المؤمن فيغفر له سيئآته ويثيبه بحسناته ، وأما الكافر فترد حسناته تحسرا ويعذب بسيئآته ، وهذا الاحتمال يساعده النظم والمعنى . عن أنس قال بينما أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه يأكل مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذ نزلت عليه فَمَنْ يَعْمَلْ الخ فرفع أبو بكر يده وقال يا رسول اللّه : « إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر ، فقال يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ، ويدخر لك ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة » أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب . عن أبي أسماء قال : « بينما أبو بكر يتغذى مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية فأمسك أبو بكر وقال يا رسول اللّه ما عملنا من شر رأيناه فقال ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون ، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة » . أخرجه إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحاكم وابن مردويه . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : « أنزلت إذا زلزلت وأبو بكر الصديق قاعد فبكى فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما يبكيك يا أبا بكر قال تبكيني هذه السورة فقال « لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق اللّه قوما يخطئون